بيني وبين المساء علاقه قديمه كفيلة بعدم تقبلي لأي وقت اخر باستثناء انفاس الصباح بعد ان تستيقظ الطيور وقبل ان يستيقظ البشر ، بدأت هذه العلاقه منذ أن قدمت للحياه تقريباً فلم الّبث طويلاً حتى غربت شمس والدي رحمه الله وعشنا الغروب الاسوء على صعيد عائلتنا وقريتنا والقرى المجاوره والبعيدة احياناً ، وبعد ان حل المساء وذهب الجميع لبيوتهم وعوائلهم واحكم الاباء غلق ابوابهم كنّا نحن اطفال مع أمي وانا لم اتجاوز العام في حضنها واخواني واخواتي يحيطون بها من كل جانب .، ومن هنا بدأت رحلة المساء الذي امتد بعد ذلك الى ما يقارب الثلاثين عام .
مساءٌ عمّه السكون والشعور بالدفئ من والدتي والامان من جدي الذي يطمئن علينا من وجه امي حيث كنّا فيه ، والذي بطبيعة الحال لن يكون على ما يرام لو كان بأحدنا اذى ، وبينما يصعد جدي لغرفته ننزل نحن لحضنها الدافي تقينا من برد المساء ، ثم ننزل تباعاً لبيتنا المحصن بروحها المتواجده في كل مكان فيه على رائحة البخور التي اصبحت جزءً من يومنا هي وخبز التنور الذي تستعد به للمساء نهاية كل نهار ، لا يضجرها لعبنا وازعاجها ، ولم يسبق لها ان عاقبت احدنا بالضرب ، او شعرنا ناحيتها بسوء ولم نكن نتخيل كمية ثقل حملها الذي تحمله ولكننا شيئاً فشيء بدئنا نستشعر ذلك الحمل الثقيل الذي تحمله لاجلنا ، و برغم ثقله و ما عانته الا اننا لانعرف لها دموع الا فيما ندر وفي احلك المواقف ، أو عندما تتفاعل مع مشهد حزين من مسلسل على التلفاز وما ان تنتبه اننا ننظر لها سرعان ما تتحول لابتسامة وهي تمسح دموعها بشيلتها التي لم تنزل من على رأسها منذ ان عرفتها .
وحين يحين موعد النوم لا ننام إلا بعد نحظى بقبلاتها الدافئة و تتأكد من تدفئتنا و كأنها تودعنا وهي تخشى من ان يستغل البرد نومها ليجد فرصته وينقّض على صغارها ولكن أمله يخيب دائماً امام اهتمامها .
لا ينتهي اليوم عند هذا الحد ، بل أن شيء ما يحدث حين ينام الجميع ، اعترفت به لها مؤخراً مسامحتها لي ، وهو انه حين ننام جميعنا بما فينا امي ، التي تنام بعد عناء يوم شاق تقضيه بين حوائج صغارها الستة والمنزل الكبير و الاغنام وغيرها ، الا انه و رغم تعبها في حال استيقظ احدنا لقضاء حاجته فإنها تستيقظ من اول نداء وتقوده بنفسها الى دورة المياة وتنتظر معه حتى تعيده للفراش مجدداً وتحكم تدفئته ، مما اثار فيني الفضول والغيرة احياناً ، لذلك ابدأ اتصنع رغبتي في قضاء حاجتي وانده بصوتي العادي لتجيبني فوراً ، ثم اصمت قليلاً واعاود ندائي ولكن بصوت اخف من الذي قبله وهكذا ، وكانت كل مره تهزمني وتجيبني ، حتى ضننت انني لو اضمرت ندائها في نفسي لاجابتني ، ورغم هذا المزح الثقيل لم تكن تنهرني بل تستمر في اجابتي واستمر انا بتغيير نبرة صوتي حتى انام وهي من بعدي تجيب بلبيه ولا غير لبيه .
يتكرر هذا المساء على مدار ثلاثين عام وما يحدث في غيره لم يكن يعنيني او يعنيلي بشيء .
وبعد عمر طويل ، عشت فتره من الزمن وحدي مع والدتي بعد ان غادر جميع اخوتي واخواتي حيث توفى اخي الاكبر وتزوج البقية واستقلوا ، وكانت تلك الفتره اشبه بالصبح حين يتنفس رغم قسوة ما كانت تعانيه والدتي من الم المرض الذي الم بها في العشر سنوات الاخيره من عمرها ، والذي كنت اشعر به واكثر احياناً ، الا ان لطف الله دائماً كان يترك لنا وقت نتبادل فيه اطراف الحديث ، او نتابع فيه مسلسل ، او ناخذ فيه جوله في السياره ، ومن اهم مزايا مرافقة أمي أنها لا تدع مجالاً للملل ، فرائحية حتى في اصعب ايامها ، إما ان تقصص لي من قصصها الجميله ، او تغنّي او تقترح شيء جميل نقضي معه وقتنا ، كانت هكذا طوال اليوم وكل يوم ، الا حين يتغلب عليها الالم رغم تحملها الا ان لتحملها حد ومرضها خصوصاً لا يعرف حد ولكن ان باغتها الالم وانا نائم لا يمكن باي حال من الاحوال ان يتغلب عليها لدرجة ان يجعلها توقظني من النوم ، رغم اني نائم بجانب سريرها الا انها ان وجدتني نائم تصارع الالم وحدها ولا توقظني من النوم ، ولهذا السبب لم أكن أنام الا في النهار بعد أن تستيقظ العامله المنزليه .
هذه الفتره شبهتها ببزوغ الصباح لنسماته الرائعه التي تركتني وحدي معها ، ولنور الصباح الذي بزغ لاول مره ليظهر لي نور غير نورها وكأنه ينذرني بنور قادم غير نور امي ، اما اصوات الطيور كانت هي اغانيها واحاديثنا سوية لساعات طويلة .
بعد فترة بدأ يشتد الالم ويتطور المرض ، وعرفت انها في مرحلة خطره بعد ذاك الصباح الذي ايقظتها فيه لصلاة الفجر وعندما استيقظت نظرت لي بنظرات شعرت فيها بالرعب والهلع ، رمقتني بنظره لم يسبق لي ان شاهدتها بها ابداً ، لم اشعر بالرعب منها على مدار حياتي الا تلك اللحظه، وزادني ذعراً حين سألتني عمّن أكون ؟ يا الله لم تعرفني امي ! بالكاد تمالكت نفسي حتى لا تصاب بنفس الذعر الذي اصابني ، واكملت روتين اليوم حتى عادت لطبيعتها بعد الصلاة ، في تلك اللحظات تمنيت لو انني غادرت الحياه قبل ان يأتي اليوم الذي لا تعرفني فيه أمي وكم تمنيت لو انني أحلم ، وان ما حدث ليس حقيقه ، ما جرى يعتبر طبيعي بحكم حالتها المرضيه و التطور في مرضها كان حتمي ولا مناص منه ، ولكن ماهو غير طبيعي انها امي واني ابنها المدلل و (اخر العنقود) ، والتي افنت حياتها من اجلي انا واخوتي ، في ذلك اليوم وتلك اللحظه كانت ايذاناً بشروق تلك الشمس التي كنّا نعلم انها سوف توافينا مهما كنا دقيقين في احكام النوافذ من اشعتها الا انها ستأتي لتنبؤنا بأن ثمة نور يجب ان نتعايش معه غير نور امي الذي اعتدت ، شمس أظهرت لي اشياء لم اعتدها من قبل وكاني ولدت من جديد .
لم اكن اعرف الشمس لاني في ظل والدتي ، ولا النهار لان نورها كان يغنيني عنه ، كان خيرها يحجب عني شرور الحياه ، وحبها عن الكره والحقد ، وصلابتها عن اسوء الاقدار ، فجأه وُضعت في سباق ليس سباقي ولم اشارك فيه من قبل كنت متفرجاً مع امي وكنت حينها اعتقد انني في اعلى المناصب ، فجأه وجدت نفسي في ميدان السباق يتسابق فيه الناس من اجل الحصول على مكانه ومنصب يمكناهما من حياة كريمة ، فجأه وجدت نفسي في نهار يتعارك فيه الناس ليظفروا بمساء دافئ وآمن مع اسرهم وهو ما كنت عليه طوال عمري الماضي مع أمي ، فجأه وجدت نفسي في موقف يتطلب مني بناء اسره والمشاركة في معركة النهار للظفر بمساء مع اسرتي الجديده والتي وإن رزقت بها وبالمكانه والمنصب لن اعيش اجمل من ذلك المساء الذي عشته مع امي طوال الثلاثين عاماً الماضية .
أضف تعليق